Saturday, June 9, 2012

البحث عن دين: 3- المقارنة و الاستنتاج و الهدم



كنت في الماضي أسمع –ثم أردد- تمنيات الناس بأن يعاصروا الرسول و يجاهدوا معه. ثم رأيت السؤال بعد عدة سنوات: ماذا لو كان الاختبار أكبر من عزيمة البعض و قدراتهم؟ هل كنا سنصبح مع الكفار و نرجم أتباع النبي الكذاب (تنزّه عن هذا اللقب, الوصف فقط حسب الجانب)؟ أم سنصمت و نرى ماذا سيحدث (حزب الكنبة, أو ربما حزب الخيمة)؟ أم سنقترب لنرى بضاعته و نحكم عليها؟ هل عندها سنقدر على تقبّل سماع ما يهدم عقيدتنا (واء وثنية أو يهودية أو مسيحية موحدة أو مثلثة)؟

من هذه الأسئلة كانت طريقة رافقتني: حيثما تجد تناقضا أو اختلافا في الرواية, لابد من قرار. و هذه عدة أمثلة لشكل التنافضات أو الاختلافات التي مرت عليّ(ملحوظة: الكتب السماوية تحديدا هي من نفس الإله, لكني أحكم على الوضع الحالي للكتب التي ينشرها أتباعها):
1-    عند اختلاف تفاصيل الرواية (أو زيادة تفاصيل) في حدث خاص بالتاريخ, فهو و إن كان غير مؤثر على المستقبل, إلا أنه يؤثر في الحكم على مصداقية باقي المحتوى. مش قصة خطبة السيدة مريم ليوسف النجار في الإنجيل مع عدم ذكر ذلك في القرآن, أو تفاصيل وصف بداية الخلق في التوراة مع الوصف المقتضب في القرآن.
2-    عند وجود تفسير لإحدى المعجزات بطريقة علمية معقدة, مما يعني إما كذب الكتاب أو ضلال العلم. مثل التفسير العلمي للعقابات العشرة التي جاءت على مصر في عصر فرعون و المذكورة في التوراة و القرآن. أو التفسير العلمي لطوفان سيدنا نوح.
3-    عند وجود تناقض في التاريخ لا يحتمل روايتين مثل رواية زنا سيدنا لوط أو دياثة سيدنا إبراهيم (عليهم السلام) في التوراة مقابل الشكر في أخلاقهم في القرآن, أو قول سيدنا عيسى في الإنجيل أن من يأتون بعده أنبياء كذبة و قوله في القرآن أن من بعده نبي اسمه أحمد.

و مع اختلاف المواقف و تنوعها لابد من أن يكون أحد المصدرين على خطأ أو أن هناك تفاصيل مفقودة قد تغير شكل الرويات. أمثل لتنوّع الأحكام كما حدث في حالتي:
1-    بعض التفاصيل التي تكون زائدة في أحد النصوص ولا تهدم النصوص الأخرى. لماذا لا تؤمن بها إن كنت تتبع هذا الكتاب أو تتجنبها مع عدم الذم فيها طالما لم يوجد في كتابك ما ينفيها؟
2-    بعض التناقضات التي لابد من اختيار أحدها. حينئذ لا بد من الاختيار بعد البحث و معرفة السياق و التدقيق التاريخي في كل أمر يمكن البحث فيها مع سرد الروايات المختلفة و كأنه تحقيق في جريمة أو بحث علمي دقيق.
3-    بعض التناقضات التي تروي نفس الحدث و لكن من زاوية مختلفة مثل التفسير العلمي لبعض المعجزات. ما المانع في تصديق العلم إن كان مبنيا على دراسة محققة و مثبتة علميا و ليس نظريات واهية. فإن كانت هذه المعجزات أحداث كونية عرفها بعض الأنبياء قبل حدوثها فهل ذا ينفي قدرة من صنعها و علاقته بمن أبلغ بها؟

بعد هذه المقارنات و غيرها تأتي الفترة الأصعب و القرارات الأشد صعوبة. هل –بعدما استطعت تنوير عقلك و الحكم بموضوعية دون تحييد من مجتمعك أو خوفك- تستطيع أن تجاهل بما علمت و صدّقت؟ هنا يكون الاختبار التالي, فهذا أشبه بهدم بعض الأصنام التي قدسها البعض و تختلف في قدسيتها حسب حجم الاستنتاج. فأنا هنا أتكلم عن أمور تتدرّج من مجرد اختلافات في عقيدتك الحالية -التي لابد و أن تكون قد زادت معرفتك بها بعد البحث و النقد و المقارنات- إلى هدم لأسس كان الناس يعتبرونها من المسلمات بها و حتى الانتهاء بتغيير عقيدتك –و هو الاختبار الأعظم-.
مثال لبعض الأمور التي خرجت بها حتى الآن:
1-    مع قول الله بأنه جاعل في الأرض خليفة, و استخدام وصف الجنة لوصف الآخرة و وصف الحدائق على السواء, و وسوسة الشيطان لآدم و حواء في الجنة, فأنا مع الرأي بأن الجنة كانت في الأرض طالما لم يأت في كتابي و سنّة رسولي ما يخالف ذلك.
2-    حسمت أمري بأن الحجاب هو الحد المطلوب للاحتشام و هو أساس العقيدة, و النقاب كان موجودا كعادة اجتماعية لا تخالف الشرع  فلم يمنعها الرسول إلا في الحج. فالإسلام جاء ليصحح لا ليهدم. و كذلك تقصير الجلباب كتهذيب للباس هذا العصر و هذه المنطقة. فالعقيدة رسمت الآداب العامة ولم تحدد خطا بعينه من الأزياء.
3-    لا يجب أن ننتظر في مجتمعنا أن يعترف المسلم بإيمان المسيحي أو العكس. فكل له كتابه (على الأقل بصورته الحالية) التي تدعوه لتكفير الآخر. فالمسلم هو تابع للنبي الكذاب, و المسيحي كافر لأنه قال ان الله ثالث ثلاثة. لذلك لا سبيل للتعايش إلا بعد الاعتراف بالحقيقة والتوقف عن النفاق. حينها يمكن العيش كما كان يحدث قديما في منطقة احترمها الجميع كالقدس و لكل دينه.
4-    لم تكن الديمقراطية يوما أساسا للحكم في أي دين. و لكنها ظهرت لمحاربة أي مرجعية متجاوزة (سماوية لا يمكن حسابها بالأرقام). و لأن التاريخ يكتبه المنتصرون, و لأن القوي هو من يضع القوانين, أصبحت الديمقراطية هي الخيار الوحيد للحكم.

هذه أمثلة حاولت تنويعها. قد تكون بسيطة على قدر ما وصلت إليه. و لكن ما أعرفه أنها جاءت عن اقتناع. لذلك أسعد بها لأنها لم تأتني مع الولادة ولكني اكتسبتها مع الوقت و بتوفيق من الله الذي ازداد إحساسي و يقيني بوجوده. و قد تكون بداية لبحث أعمق أهدم أو أبني فيه أشياء أكبر.

و رغم كل ذلك, أعترف بضآلتي أمام ثبات و ثقة من رأيتهم أو حدّثتهم ممن قرروا تغيير دينهم عن اقتناع و بحث. (و يا الله! كانوا يتحولون للإسلام -تحديدا- في مجتمعات تعاديه)

Saturday, May 19, 2012

البحث عن دين: 2- من أين أبدأ



بعدما سردت الأسباب التي تجعل الرحلة ضرورية, وجدت المشكلة التي أجدها في أي مجال جديد أدخله: من أين أبدأ؟
هل أثق في رأي من حولي؟ هل أستمع للإعلام؟ هل أحضر دروسا؟ هل أكتفي بمن سبقني و أستمع لخلاصة شخص درس الأديان؟

و لأنني أصبحت لا أثق ببني آدم بشكل عام, و لأن الثقة تقل يوما بعد يوم مما أراه و أسمعه, وجدت أن الحرص مطلوب في معرفة خياراتي و فوائدها. و هذه هي الآراء التي وجدتها:

  • "اسأل أهل العلم و تعرف من خلالهم لماذا دينك عن غيره, و قوّ معرفتك بدينك": من هذا الرأي توجد فائدة, إيجاد مميزات الإسلام عن الأديان الأخرى و معرفة عيوبها. و منه كانت الآراء الأخرى في أن أقرأ و أستمع لمن يشكر في المسيحية و يهاجم الإسلام, أو موقع ملحد ينتقد الأديان. فمن سيجد ثغرات و عيوب الأديان أفضل من معارضها سواء كان له دين أو ملحد؟
  • الحوار: و حيث أن المجال في بلدي ليس مفتوحا للمناظرات, فقد وجد طريقين: الأول هو مشاهدة مناظرات على مستوى القمة, و وجدت أن المناظرات الشهيرة كانت لرجال مثل أحمد ديدات و ذاكر نايك و غيرهم و من يقابلهم من رجال الدين المسيحيين المعروفين بالمناظرات أو التبشير. و الطريق الثاني هو الحوار مع مواطنين مثلي يدينون بالمسيحية أو اليهودية, و هو الأمر الصعب لأمر غير معتاد في مجتمعنا فكان في أضيق الحدود مع زملاء لي في فترة الدراسة أو عبر الإنترنت في الشبكات الاجتماعية. ميزة الحوار – و بخاصة بين الأفراد العاديين- هي معرفة ما يقال عن ديني و عن دينهم و مدى عمق الدين في حياة عيّنات أفترض فيها أنها تعمل و تفكّر. ربما ليس ذلك بالمجال الجيد للعلم أو حتى لأخذ مؤشرات, و لكنه جيد لكسر الحاجز و معرفة مدى وصول ديني للأفراد و مدي وصول دينهم لي من الخلال الوسائل اليومية من إعلام و تجمعات دينية.
  • تعرّف على الدين لا على المتدينين: هذا هو الرد التقليد لأي شخص يجد من يهاجمون دينه كنتيجة لتصرف بعض المنتمين لذلك الدين بشكل خاطئ. و هذا هو طريق آخر: أن تقرأ كتب الدين بعيدا عن تصرّفات الأشخاص الذين ربما يعملون بالتعاليم كاملة أو حتى يتركونها كاملة. هذه هي العودة للأصول.

من هذه الطرق, ماذا كان الطريق الأمثل؟ جوابي كان: كلها. فكل طريق ليه ميزته التي لا توجد في الطرق الأخرى.


هناك أمر آخر لابد أ يوضع في الاعتبار أيا كانت الطريقة التي يختارها الإنسان: الالتزام بشروط و آداب المناقشة و البحث العلمي. و هذه هي الشروط التي رأيتها واجبة و وجدت أن كل جهدي سيكون إلى زوال و بلا فائدة إذا لم ألتزم بها:

  • التزام الحيادية في البحث و الحوار, فلا فائدة من "بحث" حقيقي إن كنت قد اتخذت قرارا مسبقا. فهذا سيسمى اطلاعا لا بحثا حقيقيا.
  • عدم وضع أي أمر محل مقارنة لحين فهمه بشكل كاف و معرفة تفسيره و الأمور المرتبطة به من توقيت و بيئة.
  • فتح العقل و القلب و عدم الخوف من الاقتناع بما تقرأ طالما أنك تبحث عن الحق و تثق في عقلك و قلبك و فطرتك. فكما لا يمكنك أن تقنع شخصا قد اتخذ منك موقفا دفاعيا, لا يمكنك أن ترى الحق طالما أنك أغلقت عقلك و قلبك من قبل أن تقرأ أو تسمع.
  • و أخيرا, أذكّر نفسي بأنني لو كنت في عصر الرسالة فهل كنت سأؤمن بالنبي المرسل؟ أم كنت سأغلق الباب على نفسي و أكتفي بالموت على دين آبائي و أجدادي؟ هل كنت سأستمع لهذا النبي المرسل (صادقا كان أو مدّعيا) أم كنت سأشارك الجماهير و رجال ديني أو كهنته في إهانته أو الصد عنه دون تفكير؟

تلك كانت الطريقة التي انطلقت منها و بها. و إن كان في العمر بقية, أكتب ما يفتح الله عليّ به بعد هذه المرحلة.

Saturday, May 5, 2012

البحث عن دين: 1- المقدمة


منذ عدة شهور تقترب من السنة, كنت في رحلة فكرية و روحية بين مناظرات دينية و كتب و دروس لكي أتأكد من اختياري الصحيح لديني و أنني لا أدافع عنه بحكم ولادتي فيه. و كانت غايتي أن أشارك بخلاصة ما مررت به و أعلن الشهادة بشكل رمزي كدليل عن اختياري للإسلام عن علم لا ولادة. و لكن كما يقال: كلما زاد علمي زاد جهلي, و طالت الرحلة بشكل مطّرد لم أتخيله عندما بدأت. لذلك فكرت في أن أرتّب أفكاري تحت عناوين محددة لتزداد الرؤية وضوحا. و لكي أفيد بما فكرت و أستفيد من المناقشات أو الملاحظات.

بدأت بوادر الرحلة منذ سنوات قليلة, عندما كنت أعطي ملاحظة هنا و ملاحظة هناك عن عادات يومية أو طقوس عبادة مثل: طريقة الجلوس الصحيحة في الصلاة, سبب الصلاة بعد أذان الجمعة و قبل الخطبة, إنسانية ذبح حيوان أو طائر, أصل منديل كتب الكتاب و سبب قول "على مذهب الإمام فلان" .. إلى آخر الملاحظات. و مع الوقت وجدت نفسي أبتعد عن الشاطئ إلى الأعماق, و لا أعرف إن كان بسبب حب العلم أم استجابة لدعوات بيني و بين ربي أم هي إرادة الله التي تسبق أي سبب من ناحيتي لحكمة لا أعلمها.

تمر الأيام و الشهور و أجد أن هذه الطريقة في النقد و الاطلاع ليست كافية, فما أدراني من الأساس أن ديني هو الدين القويم؟ و إن تمنيت أن أكون موجودا في عصر الرسالة -كما يدّعي الكثيرون- فهل كنت سأتحلى بالشجاعة للتعرف على الدين الجديد ثم الدخول فيه إن أقنعني و أترك دين آبائي (اليهودية أو المسيحية أو أي دين آخر)؟ فأنا أجد كثيرين يغضبون لدينهم و يدافعون عنه دون أن يتعرفوا على الأديان الأخرى. و حتى حين يتعرفون عليها فَهُم يأخذون الطريق الخاطئ. فلا يصح أن أعرف عن المسيحية من مسلم, ولا عن الماركسية من يهودي, و لا عن الإسلام من مسيحي. ذلك لأن قليلون هم من يسردون الحقائق أو الأفكار بحيادية دون أي إضافة أو تعليق. و كذلك لا يصح أن آخذ معلومة عن دين من مواقف عامة من أناس لا أعرف مدى التزامهم بدينهم.

و من هنا انطلقت لرحلة أكبر لم تنتهي حتى لحظة كتابتي هذه, بين تعرّف على جوانب الدين الإسلامي و الجماعات التي ظهرت منه (سنية\شيعية\صوفية\معتزلة...), و قراءة الكتب الأخرى (التوراة و الإنجيل) و دراسات فيها, و مقالات تهاجم الإسلام خاصة أو الدين عامة, و مناظرات .... لأجد أن قضية الدين هي قضية مستمرة. فكل دين قرأت عنه وجدت فيه ما لم أجده في أتباعه و كأن الأتباع أصبحوا ينفذون الأوامر و النواهي بشكل طبيعي يتأثر بالمجتمع و التاريخ و الأهواء الشخصية. فليس كل من يحمل لقب الإسلام ينفذ تعاليمه, ولا كل من يحمل لقب المسيحية ينفذ تعاليمها. و هنا زاد الأمر صعوبة. فعلى أي أساس يقيّم كل إنسان دينه أو دين الأخرين؟ و على أي أساس تهاجم وسائل الإعلام هذا الدين أو ذاك؟

لا أعرف إن كانت تلك الرحلة ستصل لشاطئ أم لا, و لكن ما أعرفه أن هذه الرحلة مثل رحلات كثيرة قرأت عنها في الروايات: ترجع منها بأحداث و أناس لم تكن لتعرفهم لو لم تركب السفينة بحثا عن الكنز المجهول. و ذلك ما أحاول أن أستزيد منه و أتحدث عنه بشكل منظم لنفسي و لغيري. لست بالعالِم لكي ألقي محاضرة, و لكنها ملاحظات من إنسان عادي يبحث عن حقيقة ما.

كانت تلك مقدمة منطقية و استهلال لابد منه لأحاول أن أدخل القارئ داخل عقلي ليرى دوافع رحلتي و ربما يفكر في رحلته الخاصة.


Friday, March 23, 2012

جوائز نوبل, ثم ماذا؟

عندما كنت في المدرسة كنت كالعادة مضطرا لأن أحفظ عن ظهر قلب. و مع كثرة المواد و كثرة ما يجب حفظه, لم أجد وقتا كبيرا للتفكير فيما أسمع أو أناقش فيه. هل الخلية هي وحدة بناء الإنسان أم الذرة التي تكوّن ما بداخل الخلية؟ لماذا نحفظ أن أول إنسان هو آدم و أيضا ندرس أصول الحيوانات التي تؤدي (و إن لم تقال) إلى الإقرار بنظرية التطور؟ .. و لكن جاء وقت التنظيف و إعادة ترتيب "الخرابة" التي تركها التعليم في عقلي, فجاء هذا السؤال: لماذا نفخر بعلمائنا و رجالنا الذين أخذوا جائزة نوبل؟ و ما الفائدة الي حدثت من ورائها؟ ثم مررت على الشخصيات فردا فردا لأجد أن ظنوني تبدو في محلّها. لا أجد فائدة, و إن وجدت فهي لم تكن تصب في مصلحتنا (الكلام هنا عائد على المصري أو المسلم أو العربي). لأبيّن ما أقصده بقليل من التفصيل دون تطويل:

محمد أنور السادات: 1978
حصل على جائزة نوبل في السلام بعد معاهدة السلام مع كيان إسرائيل. تلك المعاهدة التي تخرج علينا كل يوم مصائب مرتبطة بالمعاهدة, من أمور اقتصادية و سياسية و عسكرية. فهل كانت معاهدة "عن قوة" كما يلقنوننا؟ أم معاهدة للخروج من مأزق؟ و ما هي الفوائد التي عادت من المعاهدة؟ هل كانت على المدى القريب فقط؟

نجيب محفوظ: 1988
حصل على جائزة نوبل في الأدب عن رواية "أولاد حارتنا". تلك الرواية التي تحمل تشبيهات كاملة لله و الناس و العلاقة بينهم و التي تنتهي بموت الله (جبلاوي في القصة). و هذا ليس تفسيرا شاذا للقصة و لكنه من نصّ خطاب البروفيسور السويدي ستور ألن عند تسليم الجائزة. من بين كل الروايات لنجيب محفوظ و التي أثّرت في المجتمع و شكّلت ثقافته, تأتي هذه الرواية التي نادرا ما تجد من يعرفها أو يعرف عمّ تتحدث. بل إنني تفاجأت منذ عدة شهور عندما وجدت ذلك الوصف في الخطاب الرسمي لتسليم الجائزة على الموقع الرسمي. و الآن, ما تأثير هذه الرواية على مجتمعنا أو الحياة الأدبية به؟

أحمد زويل: 1999
حصل على جائزة نوبل في الكيمياء عن اختراع الفيمتوسكوب الذي يصوّر تفاعلات الجزيئات على مستوى وحدة صغيرة من الوقت سمّيت بالفمتوثانية. إنجاز لا يمكن إنكاره و فتح مجالات جديدة للبحث على مستوى أدق. ثم ماذا؟ ما الفائدة التي عادت علينا من الجائزة سوى ذِكر اسم مصر و التكريمات المستمرة لعالم المصري و استقباله كشخصية عامة؟ ما قرأته في كتاب "عصر العلم" الذي كتبه أحمد زويل أن أبحاثه في النهاية كان يشارك في تمويلها مراكز بحثية و جهات عسكرية. و عندما تعود الفائدة فهي قد عادت لهذه المؤسسات و للولايات المتحدة. و قد أعجبني وصف رغم غلظته: العالم الأمريكي ذو الأصل المصري. ما أعجبني في الوصف هو تحديد علاقة مصر بهذا العالِم الذي لا أنكر مصريته و لكن لا أجد إنجازاته في مصر. و إن ظهرت فائدة فليس في الاختراع الذي حصل بسببه على الجائزة و استفادت منها الولايات المتحدة, و لكن في توظيفه كشخصية عامة (مدينة زويل كمثال).

محمد البرادعي: 2005
حصل على جايزة نوبل في السلام لجهوده في الحفاظ على استخدام الطاقة النووية في الأهداف السلمية و منع استخدامها لأهداف عسكرية (من موقع الجائزة). و بالرغم من احترامي الكبير لدكتور محمد البرادعي و دفاعي عنه ضد إشاعات عبيد الإعلام (الرسمي من بيع العراق إلى زوجته الأجنبية) و شهادة شيمون بيريز الرئيس الحالي لكيان إسرائيل بأن الأمور أصبحت أفضل بعد تركه لمنصبه كرئيس للوكالة الدولة للطاقة الذرية, إلا أن جائزته هذه لم تكن لنفعه لنا (مصريين, مسلمين, شرقيين, عرب ..) و إنما لنفعه للدول الاستعمراية التي حوّلت نشاطها من استعمار عسكري لاستعمار اقتصادي و توجيه باستخدام الوكالات الدولية. فقوانين الوكالات الدولية لا تطبّق على الولايات المتحدة أو روسيا أو حتى إسرائيل مهما حاول. هي فقط تطبّق على كوريا الشمالية و العراق و باكستان. وكالة لا تسعى إلا لحفظ موازين القوي لصالح الدول الكبري التي يعلم الجميع امتلاكها لأسلحة نووية بشكل علني.


و بعد كل هذا, هل سنزال نضع الأسماء الرنانة للجوائز الغربية و تصفيق الغرب موضع اهتمام؟ متى نكرّم علامائنا بدلا  من اهتمامنا بمن كرّمهم الغرب؟ متى نهتم بنتائج العلم لا نتائج التكريم؟ متى تنزل الحكمة على رؤوس المصريين (أو العرب أو المسلمين) بدلا من أن تنزل على ألسنتهم؟

Monday, March 19, 2012

يوم في جنة الكتب

photo by @NermeenEdrees


منذ أيام قليلة كنت في ما يمكن أن أسميه "معرض خيري مصغّر للكتب" (لا أعرف وصفا دقيقا مختصرا للحدث) كان كل هدفه هو بيع الكتب المستعملة من أجل جمع التبرعات. كان يوما ذهبت فيه لمكان لا اعرفه في حدث لا أعرف كيف يسير وسط أناس لا أعرفهم. و ذلك شيء عادي و مفيد في بناء علاقات جديدة و دخول تجارب مختلفة. و لكن ما وجدته كإحساس عام هو ما أعجبني كثيرا. ما جمع بعض الأشخاص في مكان واحد كان تركيبة من مواصفات جميلة سعدت بتواجدها في هؤلاء الأشخاص: الثقافة العامة و حب القراءة, العقل المفكّر الغير مقيّد بحواجز وهمية, حب الخير و التطوع في أنشطة مختلفة, وضع خطط مستقبلية واضحة في الحياة ... إلخ. إحساس جميل أن تبقى لفترة وسط مجتمع مصغّر رغم الاختلافات في تفكير أفراده و اتجاهاتهم و مجالات عملهم إلا أنهم جميعا متشابهون يتعاملون بنفس الحب تجاه ما يمارسونه و يتناقشون في مشاكلهم المشتركة بدئا من أكوام الكتب و حتى المناقشات السياسية و الاجتماعية.

كل ذلك حتى الآن هو أمر طبيعي يتكرر في مناسبات مختلفة, و لكن ما لفت نظري كان مشهدا ربما لم يتعدّ عدة دقائق من التركيز ثم استمر انبهاري به حتى انتهى اليوم. فتاة تدخل و على وجهها مزيج من الدهشة و الفرح و الصدمة. تتنقّل بين الكتب العربية و الإنجليزية جيئة و ذهابا. ترفع الكتب بهمّة لكي لا تفوّت أي كتاب في أسفل الصف. تجلس على الأرض لتراجع الكتب على المنضدة المنخفضة. تنطق كل فترة بكلمات مقتضبة مثل: الموضوع كبير, لأ لازم قعدة ... إلى آخر الكلمات التي تصف ما تشعر به و يؤيدها ما تفيض به نبرة صوتها و انطباعاتها. أفضل وصف وجدته يظهر في رأسي هو ما أراه من انطباعات الأطفال في محلات اللعب و الحلويات و هم يمرحون بين الممرات. لحظات وصفت الحب الأعظم للكتب. لحظات كانت كافية لبثّ روح جميلة في المكان و التأثير في مجموعة من الناس تراقب ما تفعله و تريد مساعدتها. ربما كان ذلك هو االمشهد الرئيسي الذي أذكره من ذلك اليوم و تليه مشاهد أخرى. فكيف يمكن أن يشعر شخص بمثل هذه الفرحة؟ نعم نحن نفرح و نستمتع و نفاجأ من موقف ما أو كتاب ما أو شخص ما, و لكن أن تصل السعادة إلى درجة تفيض فيها على الصوت و التصرفات, فذلك ما كان مميزا في هذا المشهد.

ربما يرى البعض أنني أبالغ في الوصف أو أضيف لمسات صوفية على الموقف, و لكن ذلك هو ما حدث, و ذلك هو ما رأيت, و ذلك ما كان بمثابة قطعة كرز أتمّت زينة اليوم الجميل.

من الجميل أن يبقى العقل في اتصال مع العقول الأخرى التي تمدّه بالطاقة و تصفّي روحه للاستمرار, و أن يلاحظ بعض المواقف الصغيرة التي قد تعدّل من مزاجه لساعة أو يوم أو عدة أيام.

اللهم أدمها نعمة, و احفظها من الزوال.

Wednesday, March 14, 2012

الأسطورة تقول, لا يوجد رجال في مصر


كلمات زادت في الفترة الأخيرة عن: إحنا الستات نازلين عشان حقنا ولا عزاء للرجال, مابقاش فيه رجالة, أرجل ما فيكي يا مصر بناتك.

و إن وافقت فسأوافق على الجملة الأخيرة و أهديها لمدمنات المسلسلات التركية اللاتي دائما ما ينظرن و يهمن حبّا في "مهنّد" و "عدنان" و "مصطفى" من باب: "انظرن لأنفسكن أولا". و بالطبع ستكون جملة من باب العند و الاستفزاز لا السخرية. فإن كانت الفتيات صغيرات أو لا تعرفن شكل الحياة العامة فإن شاعرا قال ما يقوله كثير من الشباب "صاحب النخوة":
سأترك حبكم من غير بغضٍ   وذاك لكثرة الشركاء فيه
واذا سقط الذباب على طعامٍ   رفعت يدي ونفسي تشتهيه



و لكن للأسف هذه الجمل السابق ذكرها و غيرها تقال عند إهانة فتاة لتخرج مناشدات بأن الإهانة للفتاة أو السيدة تحت مرأى و مسمع من الرجل الذي لا يتحرك و قد ذهبت النخوة ... إلخ. و كل هذه تحت مسمى "الحركات النسائية". و مع الكثير من الشكر و إظهار الفخر لإنجازات النساء و المطالبة بالحقوق عديدة في مناسبة مثل "اليوم العالمي للمرأة".

لا أفهم هذه التفرقة الغربية الآخذة في الازدياد و التي تعتبر من يخالفها أو ينتقدها متخلفا أو ديوثا أو صاحب فكر رجعيّ. ما أراه أن هذه الحركات النسائية و الأصوات المؤنثة الجماعية بدأت تخرج عن أسبابها الأساسية من المطالبة بكسر القيود المفروضة على المرأة للتحوّل إلى أنانية و انغلاق لا يطالب بالحقوق إلا للمرأة ككائن مستقل. وهذا التحول لا أجد له وصفا أفضل من وصف الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله, و هو التحول من تحرير المرأة إلى "التمركز حول الأنثى" و فصلها عن الأسرة ككيان واحد يجمع كل أفرادها. و إن كان هناك إهانة للمرأة فأراها في الاستغلال الجسدي المستمر و المطّرد للمرأة "الجميلة فقط" (ها هو تمييز آخر) كمضيفة طيران أو موظفة في قاعة استقبال أو فتاة إعلان أو متحدثة رسمية أو مندوبة علاقات عامة أو سكرتيرة أو حتى تسجيل صوتي في خدمات التليفون. فهي تجارة صريحة بها و باشتهائها, و هذه هي الدياثة بعينها التي لا يتحدث عنها أحد!

أرجع إلى النقطة الأساسية التي تقول أن النخوة قد زالت و أن لا أحد يتحرك لإهانة المرأة الفلانية أو سحل الفتاة العلّانية. في نفس وقت المحاكمة لرجل هتك عرض فتاة, توجد قضية محاكمة مبارك و ولديه و العادلي و أعوانه لقتل المئات من شباب مصر و بناتها, هذا دون التطرق إلى القضايا الأخرى العديدة. و في نفس المشهد الذي يظهر سحل فتاة على يد قوات الشرطة العسكرية, يظهر الضرب المستمر لشاب على الأرض على بعد خطوات, و ضرب فتاة ذهبت للمساعدة, و ضرب رجل كبير في السن يحاول المساعدة أيضا! لا أقول هذه من باب التبرير للضرب, و لكن من باب الدعوة لترك التفرقة و القبلية.

من يحب الجمل الرنانة دون التفكير فيها سيحب الجمل المذكورة في أول التدوينة. و من يحب إطلاق الاتهامات دون تفكير لن يغيّر من موقفي و إصراري على التفكير عندما يتهمني بالرجعية أو قلة النخوة. فحتى المثال الشهير لاستغاثة امرأة بقولها: "وامعتصماه" كان في أحداث مختلفة حيث دولة العدل قائمة ولا يوجد ما يوجد الآن من تعدد للمشكلات و القضايا التي تشمل كل "المصريين" برجالهم و نسائهم و حيواناتهم. هل الأنثى فقط من تخرج في مظاهرات؟ هل الأنثى فقط من تخرج في حملة "كاذبون"؟ هل الأنثى فقط من تهتف ضد العسكر؟ هل الأنثى فقط من تختارها رصاصة أو حجارة؟

لماذا الانسياق وراء الكلمات الرنانة التي رددتها كثيرات مش شمطاوات الحركات النسائية اللائي استخدمن نفس المصطلحات التي استخدمتها نساء تردن حقوقهن بل زدن عليها ولا تردن إلا تنفيس لغلّ و عقد نفسية و إرضاء لمثيلاتهن في الغرب؟ و لكي لا ألقي الاتهامات جزافًا, فلننظر إلى حال المجلس القومي للمرأة في عهد سوزان زوجة مبارك, و لنشتمّ رائحة العنصرية التي مازالت في الأجواء حتى الآن, و التي حوّلت الحركات النسائية من مطالبات بكسر الحواجز أمام مستقبل المرأة في المجالات المختلفة و إعطائها حقوقها ( من أيام صفية زغلول التي لي عليها يعض المآخذ) إلى العودة للانغلاق مرة أخرى ولكن هذه المرة حول الأنثى.

لألخّص ما أقول مرة أخرى: الحركات النسائية تحوّلت من هجوم على "مجتمع ذكوري" إلى مطالبة بـ"مجتمع أنثوي", أي من التطرف إلى التطرف. و قبل ترديد جمل رنانة أو اتهامات غربية جاهزة, لنفكّر فيما نقول.

استقيموا يرحمكم الله.

Saturday, February 25, 2012

انهيار مشروعك يبدأ من الزواج

إذا كنت تحلم بمشروع خاص بك, و تريد الزواج في وقت قريب, فربما تحتاج لتأجيل أحد المشروعين. لماذا؟ 

الزواج هو بدء حياة جديدة تحتاج من الإنسان المزيد من:

1- المال: و بعد بعض الحسابات بناء على ما أراه من حولي لبدء حياة متوسطة وجدت المصاريف تتعدّى 250000 ألف جنيه كمصاريف أساسية (قد يكون مدفوعا مقدما أو بأقساط أو ديون) غير المصاريف المستمرة. ربع مليون جنيه يعيدك إلى نقطة الصفر مع فرص أضعف للادخار من جديد.

2- الوقت: فالزواج يتطلّب مشاركة في الأمور الحياتية المعتادة للزيارات و النزهات و غيرها. و بوضع أوقات العمل و النوم, يتبقى القليل جدا للعمل على شيء آخر.

3- المسئوليات تجاه أفراد إضافية: فعندما يفكر الإنسان في أي مجازفة قد تؤثّر عليه ماديا أو نفسيا أو تهدد حياته فإنه يفكّر في العوامل التي تحيط به, و ها قد زاد العوامل. بالإضافة للمسئوليات الجديدة كربّ أو ربّة أسرة. (ربما التذكير بمجازر و شهداء الثورة قد يوضّح المثال).

4- المجهود العضلي و الذهني لإدارة كل هذه الأمور الجديدة المضافة: كل الأمور السابقة لا تتم من تلقاء نفسها, فلابد من أبسط أشكال التنظيم على أقل تقدير. و هذا ما أراه مشتركا بين الأزواج التقليديين حتى تكاد الأنماط تتكرر في الزيارات العائلية و نظام الأكل و مصاريف المدارس و الأعياد و المصايف ... إلخ

بالنظر لهذه النقاط, أجدها نفس النقاط التي يحتاجها من يريد بدء مشروع خاص. فهو يحتاج مال و وقت و التزام و حسابات المخاطرة و مجهود إضافي. فإذا كنت تمتلك هذه المقومات أو تسعى لامتلاكها. فهل تستهلكها في الزواج؟ أم تستهلكها في مشروعك؟ في الحالتين لابد من تضحيات, و الحل الوسط هو ضربة قاتلة لكل من الزواج و المشروع الخاص, فأنت لن تحصل إلا على نصف إمكانيات زواج و نصف إمكانيات مشروع.

هناك من أحدّثه في الزواج فأجد أنه لا يعلم لماذا يتزوّج إلا لأن الناس لابد لهم أن يتزوّجوا, و ينجب لأن الناس لابد أن تنجب. و ماذا تعرف عن التربية؟ لا شيء. كما تربّى سيربّي, مع بعض من الحذف و الإضافة. و رغم أن بعض علماء الدين يقولون أن العفة في حد ذاتها هدف للزواج, إلا أن كثيرين أصبحوا ينفّذونه كعادة لابد منها, فمن يطلب العفاف قد يؤجّل الإنجاب حتى ينضج أو يسدد ديونه أو يستقر في حياته, و لكن ذلك لا يحدث. و بهذا يضيع كل ما يملك دون فائدة تذكر و بالطبع دون تخطيط. فقط تزاوج و إنجاب و تربية ثم تزويج و موت. لا يختلفون كثيرا عن أي قبيلة من القرود.

أما من أحدّثه عن مشروع يضع فيه كل ما يملك من موارد و مجهود, فأجده يخطط جيدا لكيفية الاستفادة من الموارد و ما يريد أن يصل  إليه في خلال عدة أشهر أو سنوات. فهو يعرف قيمة ما يضعه في هذا المشروع ولا يريد أن يخرج من هذه المعركة خالي الوفاض.

و بما أن السائد هو ثقافة القطيع و العادات و التقاليد التي تطغى على أي تفكير أو اجتهاد (و الأمثلة كثيرة, من اختزال الدين في اللحية كعنصر ذو التأثير الأكبر, و اختزال الحجاب في قطعة قماش تغطي أجزاء من الرأس بمصاحبة الـ"كارينا" و الـ"سكيني", إلى سب الدين مع الحفاظ على صلوات و صيام هذا الدين), أصبح الأسهل و الطبيعي هو خيار قطيع القرود دون ذكر أسباب الإنسان "المسلم" في الزواج, و بالطبع دون التطرّق للكلام الفضائي الذي يدعو للتفكير و التخطيط.

تلك هي نظريّتي التي فكّرت كثيرا فيها. و سواء كنت أصبت أم أخطأت, فبالتأكيد كلامي أفضل ممن لم يفكّر من الأساس. أفمن يفكّر كمن لا يفكّر؟ كل ما عليّ هو أن أفكّر و أتعلّم و أستشير و أستخير. فليس كل ما تراه "الأغلبية" صحيحاً (و اسألوا الدين و التاريخ).
Powered by Blogger.