Saturday, March 2, 2013

مراسم التكاثر من دولاب الملابس لدولاب المخدرات

جولة أخرى في مملكة الإنسان, فيها أسرد بعض طقوس التزاوج لديه. و تحديدا أذكر احتفالاته. عندما يتزوج ذكر الإنسان من أنثاه, يعدّون عدة حفلات و مراسم تتوزّع عليها بعض الأحداث و الخطوات.

أبدأ بذكر الفاتحة التي غالبا ما تكون مختصرة "لربط الكلام". ثم الخطوبة (تُعرَف أيضا بالشَبْكة) و التي يهدي فيها الذكر لأنثاه بعض المشغولات الذهبية التي تقوم أم الأنثى بعرضها على الحضور و كأن الذكر قد غاص للأعماق ليحضر لآلئ نادرة أو ارتحل ليجلب النوق الحمر, و هو في الحقيقة لم يفعل سوى جمع\اقتراض المال لشراء المشغولات الذهبية. و لأن اسم "خطوبة" ليس كافيا للعديد من الهدايا, فالمشغولات إما تكون الدبلة المعتادة و يضاف عليها "محبسا" (و هو خاتم فوق الدبلة و يكون أغلى منها بكثير), و إما يقال عنها "شَبْكة" و فيها يأتي الذكر بالطقم الكامل من حَلَق للأذن و سوار و طوق للرقبة مع بعض الخواتم, و حديثا يضيف بعضهم "خلخال" القدم! في هذا الحفل من حق الذكر أن يمسك و يحتضن و يرقص, بل أحيانا يقبّل اليد. و لا مانع أن تترك الأنثى قطعة القماش التي تغطّى أجزاء من شعرها لأن هذه المناسبة هي أكبر من أن تلتزم بالعادات البالية من احتشام و خلافه. قد تكون هذه الحفلة محدودة العدد (على الضيّق) في منزل العروس, أو تكون حفلة كبيرة في قاعة مناسبات أو شارع. تلك هي المناسبة الأولى التي تعطي فرصة للذكور الغير متزوجين في ممارسة "رقصة الغيبوبة", و هي رقصة تعتمد على بعض الحركات و التمايلات الغير مفهومة. و تكون لللإناث فرصة الاستعراض لعرض البضاعة بطرف مختلفة ذكرتها من قبل في تدوينة أخرى.

المرحلة التالية هي مرحلة "التنجيد", و هي مرحلة صباحية, و هي مرحلة استقدام "المنجّد" المسئول عن صناعة الوسائد و المراتب و الأغطية السميكة و الشِلَت (وسائد صغيرة). فيها تأتي السيدات و بناتهن للتصفيق و الرقص في الشارع بينما يقوم المنجّد بعمله أمام البيت. و تدفع - كالمعتاد - كل أنثى بالغة بابنتها لأن هذا التنجيد يكون في الشارع, ففرص التزاوج تكون أكبر بحكم أن الشريحة المقصودة من الذكور أصبحت أكبر.


تجب الملاحظة أن في كل مناسبة لابد من أعداد كبيرة من مكبرات الصوت (أو "الدي جييي" كما يسمونه) و منها تخرج أصوات ترجّ الحوائط و الأسقف لأعلى و أبعد المباني من نوعية "المولد" و "العبد و الشيطان" و "عند امه" و "الست لمّا" و "الأوضة الحمرا" و "دي عيلة واطية" ... إلخ, بالإضافة لمقطوعات أمريكية و إسبانية يبدءون بها "التسخين" و لا أحد يفهم منها شيئا, و لو كانوا أظهروا حياءً تجاه ما يسمعونه بالعربية لكانوا رفضوا ما يقال في هذه الأغاني الأجنبية. وإن كنت في مجال 100 متر من بؤرة الكارثة فأنت هالك لا محالة من فرط الاهتزاز. و في هذه المناسبات تسمع من الإناث قدرا من الليبرالية يتناسب مع كل ما سبق ذكره. فقد تسمع: "ياللا قومي ارقصي يا دينا .. ياللا يا هدى .. هي بنتك يا سعاد هاتفضل تتكسف كدا؟ خلليها تقوم مع بنات خالاتها".

مرحلة التنجيد هذه مرحلة مميزة و مليئة بالتفاصيل. فبعد كل ما سبق, و مع انتهاء التنجيد قبل الغروب, تبدأ مرحلة من الهجرة الجماعية بعد استعراض سريع "للجهاز". فكلما انتهى المنجّد من قطعة أخذوها و عرضوها بطريقة مميزة. فالمراتب و الوسائد يضعونها على موائد في وسط الشارع تماما مثلما يجهّز السرير في الغرفة. و عليه بعض "الشلت" التي تأخذ أشكال القلوب و ألوان المعادن, بالإضافة لبعض "الدباديب". أما المفارش و الأغطية فيتم عرضها على حبال تُشَدّ بين الأدوار الأولى للمنازل. و لا أعلم ماذا ينقصهم سوى عرض الملابس الداخلية و صعود العروس لتجربة السرير (ربما أرجع بعد سنة لأجد التهكّم أقد أصبح حقيقة). خلال هذا المعرض تخرج الأجهزة المنزلية و أدوات المطبخ لتنضم لمعرض الشارع لحين يتم جمعهم على سيارات تذهب إلى بيت العروس. و هنا أذكر تفصيلة أخرى (ألم أقل أنها مناسبة غنية!), و هي أن النساء يركبن على نفس سيارة النقل أو سيارات تابعة لها لتذهب جميع المتعلقات في زفّة مهيبة و مزعجة لبيت العروس.

هل يوجد أفضل من مجاملة الشخص لأصدقائه بالبانجو في حفلة أخته؟

وصلنا إلى الليلة السابقة للزفاف, و هي ليلة "الحنّة". أيا كان أصل هذا الطقس فإن الحنة لم تعد هي محور اهتمامه, لأن محور الاهتمام أصبح - ككل السابق - هو إخبار (أو إزعاج) الجيران و قطع الطريق و الحائط المرصوص من مكبرات الصوت و رقصات الغيبوبة و كسر إحراج سعاد و خلافه مما سبق ذكره. من قوة الشبه بينه و بين الخطوبة فإنك قد لا تلحظ الفرق إلا عندما يخبرك أحدهم أنا الحنة أو عندما يشغلون أغنية "الليلة الحنة و بكرا الدخلة".

و ها قد وصلنا لليلة الكبيرة. و هي - أيضا - مثل الليالي السابقة, و لكنها الأهم و الأكثر بذخا. فيها قد يمتد "الصوان" (أو السرادق) لعشرات الأمتار و تزداد مكبرات الصوت و يظهر عنصر "البوفيه" و موائد الفواكه و المشويات و البيرة و العصير و المخدارات, كما تظهر الراقصات. بالطبع كل فرد حسب إمكانياته, و لكن لا غنى عن السرادق و الأنوار و مكبرات الصوت و المأكولات, و الزيادة أفضل بالطبع. تلك الليلة هي الليلة الأكثر امتدادا في أحشاء الليل و قد تمتد للفجر.

إذا رأيت الزحام مشتدا عن ذلك, اعلم أن راقصة بالجوار
  

في كل هذا قد يظهر إنسان هنا أو هناك لا يعجبه الحال. و هذا هو الإنسان الذي لا يستحق الحياة, بل يستحق الموت و الانتقال للرفيق العظيم حيث يأمل في إيجاد الراحة. فلا سبيل لأي نوع من النصح (فهل يقبل المسجد بالنصح ليقبله قاطع الطريق و الديوث؟). و إذا فكر في الاتصال بالنجدة فهو يواجه أحد الأحتمالات التالية: إما أن لا تستجيب له, و إما أن تأتي "لتأخذ المعلوم" من أصحاب الاحتفال ثم تنصرف, و إما تفعل ما يجب فعله. و علي أن أقول أن الاحتمال الأخير هو ما لم أره يحدق إلا عندما تحدث حادثة كبيرة تراق فيها الدماء (نعم, فالشرطة قد تخبرك أنا لن تأتي إلا إذا أريقت دماء).

 الشرطة و الشعب عايزين الحرق

تلك كانت جولة في بعض الاحتفالات التي يقيمها شعب مصر العظيم من الأقاصي للأقاصي.
هل ذكرت أن تلك التدوينة هي نسخة مطورة و معدّلة من نسخة ترجع لعام 2010؟ ها قد قلت. تكبييير.

Saturday, February 16, 2013

القوات المسلحة الأزهرية الزومباوية

(من مدونتي القديمة, مارس 2010. تدوينة كانت ترى المستقبل المظلم لدولة ما قبل الثورة و تخاف منه, بل البعض لا يزال يدعو لها تحت مسميات عدّة. 
تدوينة فضّلت تركها بصيغتها العامية كما هي.)

حد قبل كدا سمع عن دولة "زومبا" الشقيقة؟ دي دولة قدرت تسيطر على منطقة كبيرة من العالم بسبب بلطجتها. و استطاعت أن تحتل العديد من الدول المحيطة بها عسكريا أو فكريًا أو اقتصاديًا أو... . و عندها موارد كتييير و إمكانيات أكتر, لكن أغلب الإمكانيات دي رايحة للقوات المسلحة الزومباوية اللي بتسيطر على الدول المحتلة دي عشان ماتهربش من تحت إيديها. و لذلك كانت القوات المسلحة الزومباوية قادرة على تخريج كوادر صالحة لإدارة أي وزارة أو هيئة في دولة زومبا. فبعد خروج أحد اللواءات أو العمداء لبلوغه سن المعاش, يمكنه أن يدير أي إدارة فيكي يا زومبا, سواء بقى كانت نقل أو إعلام أو سياحة أو حتى صحة.

أحد اللواءات هو اللواء أركان حرب/ زومباوي مطاوع زوباوي. هذا الرجل خريج أحد المعاهد الحديثة لتابعة للقوات المسلحة الأزهرية. بعد بلوغه سن المعاش كان له شرف إدارة أحد المساجد (بعد هدم مسجد آخر في دولة مجاورة) التي سيطرت عليها القوات المسلحة الأزهرية أثناء مشاهدة الشعب الزوباوي المغيّب لمباراة كرة القدم بين زومبا و أنتيكا و ما تبعها من أعمال شغب. و بعد تولي حكومة زوبا إدارة المسجد, تم وضع لقب "لواء أركان حرب أركان إسلام" على صدر من يتولى إدارته. و يكون الزي الرسمي له هو عمة بيضاء على مقدمتها صورة بطريق (رمز دولة زومبا) و كاكولا خضراء علي كتفيها أربع نجوم و بطريقين ( رتبة اللواء أركان حرب أركان إسلام).

هذا الرجل يدخل يوم الجمعة إلى هذا المسجد و يجلس على الكرسي و ياخد التمام من كل فرد يدخل. و يا ويله اللي مايكونش حالق دقنه الصبح قبل ما ييجي: "يا فندم أنا حلقتها النهاردة الصبح !", "لا يا حبيبي, المرة اللي فاتت قولتلك تحلقها قبل ما تنزل, يعني مش الخميس بلليل, و مش الجمعة الصبح, لأ قبل ما تنزل على طول, روح للصول.. قصدي خادم المسجد و خلليه يحلقهالك تاني و تعالى اديني التمام". و عندما يحين وقت الصلاة, يصعد المنبر و يبدأ الخطبة, و برضو يا ويله اللي ييجي متأخر. "الأفندي اللي لسا داخل دا, ما بدري! مش قايل 100 مرة اللي يوصل بعد ما أطلع أحسنله ما يجيش؟! اتفضّل روّح, ناقصاك هي!!". و يكمل الخطبة و الكل صامت لا يستطيع أن يلتفت.

أثناء الدعاء يقول: "اللهم احفظ لنا ولاة أمورنا" و يرددون وراءه بامتعاض "آمين", "لأ مش سامع, عايز صوت أقوى و في نفس واحد" , "آآآمين", "لأ طبعا, دانا صوتي أقوى منكم, اقفل الميكروفون يا عصمت, عايز أسمعهم من غير ميكروفون, ياللا كلكوا مع بعض, عايز صوتنا يوصل المسجد اللي جنبنا". و يأتي في ميعاد الصلاة يقول: "إقامة الصلاااااااااا, أقم" و يسرع الناس خلفه " هوب" و ينتظمون في صفوف حسب الرتبة الزومباوية لكل مواطن. "على اليمين حزا, كما كنت, على الشمال حزا, كما كنت". و يبدأ الجميع في الصلاة خلف الإمام الجبار و هم يدعون في سرّهم أن يأتي من يخللصهم ممن أفسد حياتهم و احتل أرضهم و شوّه دينهم.

هل يمكن أن يأتي اليوم الذي نصبح فيه جزءأ من دولة زومبا العليا؟ لأ أتمنى ذلك و إن كانت الملامح غير مطمئنة.

Wednesday, February 13, 2013

شوارع الذكور ... ربما النينجا

يزداد مع الوقت سماعي لتعبيرات من نوع: "أهلى ارتكبوا جريمة عندما أحسنوا تربيتي", أو "كان لابد أن أتعلم ما يناسب الحياة, لا مجرد أخلاق تريني مدى سوء حياتي". و لا أنكر أنني أشعر بهذا الكلام و أعيشه, و كلما غُصت في ديني و حاولت تحسين إنسانيتي و أخلاقي وجدت أن الحياة اليومية هي أبعد ما تكون عن الكتب, المقدس منها و غير المقدس.

من فترة تجمعت عدة ملاحظات و تراكمت لتشكّل تجارب صغيرة ترسم صورة أكبر: معالم الطريق اليومي. ما بين اصطحاب أنثى أو رجل مسنّ أو معاناة من إصابة أو مرض, تتشكّل صورة جغرافية للأماكن القابلة للحركة في حياتي اليومية و مدى خطورة كل منها. ففكرت في تجربة مختلفة, أن أمشي و أعيد ملاحظة تلك الصورة من منظور مختلف .. منظور أنثى. فما مواصفات تلك الأنثى؟ مجرد إنسانة ذات حياء, لا يمكنها القفز و الجري أكثر من العادي إما للباسها أو تحرّجها, تخشى الأماكن المظلمة أو الحيوانات. فماذا كانت الملاحظات؟

- المواصلات العامة, كلمة "كارثة" هي أقل ما يوصف. بين التدافع للركوب, و الزحام داخلها, و الجلسات الغير آدمية (أفضّل كلمة "القرفصاء" عندما أصفها), و كثرة "الظرفاء" و قلة "الرجال", و كثرة البروزات الكافية لتمزيق كل ما يبتعد عن الجسد و لو قليلا.

- المقاهي و الأكشاك و تجمعات الشباب على الأرصفة في تزايد مستمر بشكل ألغى ما يسمى بـ"الرصيف", فأصبح الرصيف كنزا يوجد فجأة و يختفي فجأة.

- البنية التحتية لأم الدنيا لا تحتاج لكلام. ما ينزل عن الكعب إما مصيره البلل أو الاتساخ أو القطع. إما "التشمير" أو ينزعج دولاب ملابسي سريعا لما فعلته بأبنائه الغاليين.

- حفظ التوازن من المهارات الأساسية التي لا مفر من اكتسابها. إما لتفادي الوقوع عند انطلاق سائق العربة قبل الجلوس. و إما للمرور من على حافة رصيف امتلأ بالمياه أو السيارات, أو للقفز بين الحين و الآخر بين قطع الحجارة التي تبرز كجزر متفرقة في بحيرات الصرف الصحي -التي هي منّا و إلينا تعود-.

- هل ذكرت التناغم مع الطبيعة؟ لأن حب الحيوانات هو أمر أساسي في مملكة الغابة -تُعرف أيضا بـ"مصر"-. الكلاب لابد أن تكون مصدر بهجة عند رؤيتها و نباحها لابد أن يكون طربا للأذن. و بالطبع فإن المرور بين الجاموس و الثيران و الجمال في عيد الأضحى هو نوع من إكرام الضيف و الترحيب به قبل أن يغادر دنيانا في حمام دماء مهيب.

- طالما أنني لا أعيش في "ميتروبوليس" أو "جوثام", فعليّ أن أبحث عن وسيلة أخرى لبعث الاطمئنان في قلبي قبل المرور في منطقة مظلمة أو خالية, حيث سوبرمان و باتمان ليس لهم نفوذ أو سلطة. لأن في بعض الأحيان -و ربما كثير من الأحيان, حسب المنطقة- لا يوجد سبيل للوصول إلى العمل\المنزل\المدرسة إلا بالمرور من أماكن لا تبشر بالخير.

- ربما لا أقبل ملابس الباليه و حركاته, لكن رشاقته مطلوبة. كيف أمر بين سيارتين أو برميلين أو عامودين بمحيط خصر متوسط أو كبير؟ و كيف يمكنني العبور فوق الرمال و الحجارة -إما لأعمال بناء هنا و هناك, أو أعراض إصلاحات قديمة- بخطوات ثقيلة؟

- ارتفاع مستوى الأخلاق و السلام الداخلي مهم جدا, لأن ما سأسمعه من كلمات هنا و هناك يحتاج لقدر كبير من الهدوء و العفو عن المقدرة.

- بمناسبة العفو عند المقدرة, ربما بعض دروس الكاراتيه و التايكوندو قد تفيدني, ولا تسألوني لماذا.

"لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله تعالى عنها: لِمَ لم تمهد لها الطريق يا عمر", عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

Saturday, February 2, 2013

الراعي الكذاب

عندما كنت طفلا, سمعت (أو ربما قرأت) قصة اسمها: الراعي الكذاب. كانت تحكي عن شاب يرعى الغنم, و كان يهوى الكذب على الناس و الصراخ بأن الذئب يهاجم أغنامه. و عندما يهرع الناس لنجدته لا يجدون ذئبا, و يضحك الراعي على مزحته السيئة. و مرة بعد مرة, تعب الناس من تصرفاته و قرروا عدم الاستماع إليه مجددا. و في يوم هاجم الذئب أغنام الراعي فأخذ يصرخ طالبا النجدة. و لكن الناس لم يعيروه اهتماما لما عرفوه من كذبه. فإذا بالذئب يأكل غنمه ولا يجد من يساعده. حتى تلك اللحظة أجد قصة الراعي الكذاب أمام عيني. و أعاني من إهمال الكثيرين للقيمة التي تحكي عنها القصة: الصدق.

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: "كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها، والرجل راع في مال أبيه وهو مسئول عن رعيته، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته", و كم أعجب عندما أجد راعيا يدّعي الورع و التقوى ثم يأتى بأفعال لا تمت للتقوى بصلة. و مرة بعد مرة يكذب أو ينافق أو يتهم الناس بالباطل, حتى يتعب الناس من أفعاله و أقواله و يُكتَب عندهم كذّابا. ثم يأتي الموقف الذي يستحق فيه المساعدة فلا يجد معه أحدا. عندها يأكل الذئب, و تأتي بقية الذئاب لتأخذ أغنام القرية جميعا. الراعي صرخ للتنبيه و لطلب المساعدة, و لكن ما من أحد ليسمع أو يجيب.

عندها هل ألوم القرية التي لم تتأكد من صدق النداء الأخير؟ أم ألوم الراعي الذي اعتاد الكذب؟ أم ألوم من ائتمنه على الغنم؟ أم ألوم الغنم التي لم تتصرف و انتظرت مصيرها؟

ما أعرفه جيدا هو أن قصة الراعي الكذاب لا تكذب ...

Friday, December 28, 2012

المطرب للمطربة, تعالي صلّي معانا

كلما امتد أجلي على هذا الكوكب, كلما رأيت تناقضات داخل نفس المجموعة, بل داخل نفس الإنسان. و هذه المرة رأيت تناقضا لم أستطع أن أبرره.

منذ حوالي أسبوع - قبل "نهاية العالم" بأيام -, كان يذاع برنامج "صوت الحياة" - نسخة احتكارية سيئة التنفيذ من برنامج The Voice -. و في بداية البرنامج كان مقدم البرنامج يجري حوارا مع المتنافسين النهائيين. و جاء سؤال: "ماذا ستفعل يوم الجمعة؟", فكانت الإجابة المنطقية: "هاصللي الجمعة". رغم انتشار الخبر بين الشباب و مستخدمي الإنترنت بشكل خاص, إلا أنه لا مشكلة من تجاهل أو عدم معرفة شيء عن هذا الهوس الذي أصاب الغرب و أتباعه عن "نهاية العالم كما توقع شعب المايا" (رغم التشكيك في الفكرة من بعض الأصوات الخافتة). الغريب هو ما حدث بعدها.

عندما انتقل مقدم البرنامج للمتسابقة ليسألها عن ماذا تفعل يوم الجمعة (يوم نهاية العالم). فكان ردها: "هاغنّي و أتدرب عشان المرحلة اللي جاية". و حتى الآن لا مشكلة أيضا, ففكرة نهاية العالم لا تستحق الاهتمام بها أصلا. و لكن ما لفت نظري هو تعليق المتسابق الأول عليها: هاتختميها بغناء, ما تيجي تصلّي معانا؟" ... هنا كان اندهاشي.

لكل رأيه في الغناء. و أيا كان رأيه في تحليل أو تحريم الأغاني أو امتزاج الحلال و الحرام بها, فالموقف هو الذي جذبني و أثار دهشتي. أنت في مسابقة للغناء, و تريد أن تحترف الغناء ليصبح محور حياتك و مصدر دخلك, ثم تنكر عليها الغناء في آخر لحظات العالم! إذا كان عملك لا يصلح لأن تموت عليه فلماذا تفعله؟ و إن كنت محتاجا للمال - افتراضا - و لا سبيل آخر لذلك, فلا يبدو عليك أنك مضطر, بل مستمتع!

في مواقف عديدة لا أهتم برأي غيري بقدر ما أهتم بمقدماته و استنتاجاته. فالمنطق عندي أهم من القرار التالي له, لأنه الأساس. لذلك في مواقف أخرى قد أحاول إيجاد مبرر للرأي المقابل لي, أما هذه المرة فلا أستطيع إيجاد المبرر لهذا الموقف. و لكن يبدو أن في بعض الأحيان لابد أن أكتفي بالمشاهدة و التعجب في صمت حتى تأتي لحظة سفري خارج هذا الكوكب.

Monday, December 17, 2012

رفضت الدستور فقلت له نعم

مليونية "عايزين نروح أشغالنا", يوميا في ميادين مصر المحروسة من العين و النني


منذ يومين كان الاستفتاء في محافظة القاهرة على الدستور الجديد. دستور توافقي من ناحية جديدة, هو أنه لا يرضي أحد. لا هو دستور إسلامي, و لا علماني, و لا عسكري, و لا حتى وسطي. و بالتالي فهو دستور اتفق الناس على كراهيته.

كنت من ضمن الرافضين له و هم كثيرون -هذه المرة الأرقام هي التي تكلمت-. رفضته بسبب ميوعته و عمومية ألفاظه التي قد تأتي بالقانون و نقيضه حسب تفسيرنا له. فإذا كنا نتجادل في تفسير مواد مثل مبادئ الشريعة و المحاكمة العسكرية للمدنيين و إجراءات الضبط و الحد الأدني للمواطن و شروط الرعاية الصحية .. إلخ, فكيف سيكون النقاش في القوانين؟ بل يوجد من رفضه من أساسه بسبب طرق اختيار لجنته التأسيسية.

يقال أنك تتثبّت من قرارك عندما تنظر لمن معك في نفس القرار. و إذا فعلت ذلك في المؤيدين و المعارضين و المقاطعين, فستجد أن كل طرف مليء بالأشكال الضالة. منهم من يرفض نكاية في النظام الحالي, و منهم من يرفض نكاية في الشريعة -و لو كانت المبادئ-, و منهم من يقاطع ليهدم شرعية الاستفتاء و يجهّز للانقلاب على النظام الحالي -وهو ما يبدو أنه سيحدث-, و منهم من يوافق من أجل أن تسير العجلة و إن كانت لا تصلح للعمل, و منهم من يوافق لأن الدستور التوافقي هذا قد خدم مصالحه. و منهم من قاطع لأنه لا يهتم و لا يريد "وجع دماغ". و في كل الحالات, فالنتيجة لن تفرّق بين من اختار عن نية طيبة أو فاسدة. و بين هؤلاء و هؤلاء تجد من رفض أو وافق أو قاطع لأسباب منطقية. و قد كنت من المقاطعين لأنني لم أرض بنصف حل. فالدستور هو العقد الأولي بين كل من يعيش داخل الأسلاك الشائكة لهذا البلد و بين من يديرون أمورها, و الدستور الحالي يعطي الفرصة للصالح و الطالح بسن القوانين التي يريدها لأن ميوعة الدستور تسمح بذلك. و بذلك يصبح العقد غير واضح ولا أوافق عليه, فلن أوافق على عقد لم يُكتب بعد!

و رغم ذلك, غيرت رأيي و ذهبت يوم الاستفتاء و وافقت على الدستور بشكله الحالي! لماذا؟ أخذا بالمثل الشعبي الذي يقول: "ما أسخم من سيدي إلا ستّي". فإن كان الإخوان يخطئون كثيرا و لا يقولون الحق كاملا, فالمعارضة أسوأ و ألعن منهم.

معارضة تزيّف الحقائق. معارضة تظهر أجزاء من الحقائق لخدمتها, تسبّ الغير و رغم ذلك تخوّن و تسفّه من ينتقدها. تعترض على جرح لأتبعاها ولا تأبه لأرواح مخالفيها. تحرق مقرات مخالفيها و لا تأبه لجرائمها, و تولول على هجوم على مقر لها و تسارع باتهام المخالفين. تعتبر حصار المنشئات حقا لها, و حرام على مخالفيها. تتكلّم عن تأييد الشارع, ثم تصدح بنداءات البطلان و التزوير إذا خذلهم الشارع. تتباهى بشعب مصر العظيم, ثم تتهمه بالجهل إذا كانت الكفة مع المخالفين. تتباهى على شاشات القنوات التليفزيونية  و الإنترنت بأعداد "مليونياتها", ثم تدّعي أن "العبرة ليست بالعدد" إذا خرج المخالفون لهم "بمليونية" مضادة.

و لأن هذه الحلقة لن تنتهي, ولا يوجد في التاريخ ما يسمى بالتوافق, فقد اكتفيت بمادة واحدة في الدستور لأوافق عليه. المادة التي تسمح بتعديل مواد الدستور في مجلس الشعب بالأغلبية. بذلك تنتقل المعركة إلى الداخل, يكفي صياح و قتال و ادّعاء أرقام أو تأييد. من يريد أن يغيّر فعليه أن ينزل الشارع و يقنع الناس بأفعاله و خدمته لهم ليدخل البرلمان و يصبح الأغلبية. و من يريد الاكتفاء بالكلام فليس له مكان. إن كان أي طرف يريد خدمة الناس فليفعل و يأخذ حق التشريع كمكافأة. و عندما يفعل أحدهم ذلك, فأنا أثق أن الناس سترضى عنه. و لأنه الأغلبية, فأغلبية الناس ستوافقه. و بذلك أنتقل من المثل الشعبي السابق إلى المثل الآخر: "الطيور على أشكالها تقع" و "ربنا يهنّي سعيد بسعيدة".

أحيانا لابد من الجازفة و إن كانت مبادئك تناديك على الضفة الأخرى ...

Sunday, November 4, 2012

مرسي ميتر, هراء ميتر, إنه عين شمس ميتر

(كم كنت أتمنى أن أستخدم كلمة أخرى غير "هراء", و لكنني لم أستطع, حفاظا على الذوق العام)

رغم كثرة دعواتي بإنقاذي من هذا الحي, و هذه المدينة, و هذا البلد, و هذا الكوكب, و هذه الدنيا, إلا أنني من وقت لآخر أحمد الله على هذا الموقع المميز الذي جعلني أرى مدى السوء الذي تذهب إليه الحياة و مدي ارتفاع موجات الخير أو الشر. فأنا أعيش في المشكلات بدلا من الكلام عنها في غرف الشبكات الاجتماعية مع "البوبات" و "النخبويين" المنعزلين. المقياس الحقيقي هو ما أعيشه, لا ما يتكلم عنه هذا المسئول أو ما يسرده الإعلام من أرقام و حالات ضبط أو ارتفاع في البورصة.

منذ  عدة أسابيع كنت أفكر في مقدار التغيرات التي لمستها بعد الثورة و بعد تولّي الإخوان (الرئيس مرسي أو الرئيس الشاطر .. لم أعد أهتم كثيرا) ثم مرور مهلة البيضة الأولى لطائر النهضة. و الجميل أنني وجدت الحياة -حتى هذه اللحظة- أسوأ من الأيام البائدة. أنا لن أتحدث عن أيه إصلاحات سياسية و لا حرية تعبير و لا أي من هذا الهراء. أنا سوف أتحدث كمواطن تخرّج في إحدي كليات القمة و عمل في عدة أماكن يذهب و يجيء إليها بالمواصلات العامة و يشتري طلباته و ينهي أوراقه و يرجع لبيته ليرتاح و يجهّز نفسه ليوم جديد و يبحث عن حياة زوجية و عن راحة بال و دخل يؤمّن الجانب المالي فيما هو قادم.

ما هي المشكلات المعتادة التي لا تزال موجودة؟
- سيارات النقل الجماعي (الميكروباص) تفعل ما بدا لها من سرعة عالية و تقطيع المسافات لمسافات أصغر لجمع مال أكبر و رفع السعر وقتما أرادوا.
- الشرطة لا تزال في فسادها و تجاهلها. فهي لا تأتي في كثير من البلاغات. و في المرة التي رأيتها تأتي فيها رجعت من حيث أتت بعد أخذ رشوة. و لا داعي لذكر حالات التعذيب و تلفيق القضايا التي تشير لقوة الحق في مواجهة الباطل (إن لم تفهم التهكم .. لا تتابع).
- الوساطة و المصالح هي الأسلوب الرسمي في التعامل في أي مصلحة حكومية.
- نسبة السلاح و البلطجة في ازدياد دون رقابة أو عقاب.
- الأسعار في ارتفاع مستمر و بخاصة في المناسبات أو عند ورود أخبار عن علاوة أو مكافئة للموظفين. التجار الكبار هم من يرفعون و يخفضون.
- الأفراح و المآتم العشوائية تزداد تفننا في زيادة عدد مكبرات الصوت و حجم السرادق و المضمون القذر سواء كان أغنية عن المخدرات أو خطبة عن التقوي!
- ارتفاع مستوى السفالة في الألفاظ و الملابس و الأفكار في السينما و التليفزيون و السينما و الجرائد دون رقيب أو حماية للأطفال أو الذوق العام.
- الإشغالات في ازدياد حيث ترى المقهى بكراسيه التي تقطع الشارع و تترك حارة واحدة لمرور السيارات ولا مكان لسيدة ذات حياء.
- المستشفيات التي أخشى الدخول إليها بسبب تدنّي مستوى خدمتها و انعدام ضمير أطبائها -إلا لو امتلكت وساطة قوية- و لابد من دفع الكثير من أجل الذهاب لمكان أفضل حيث كل خطوة بثمنها.
- إذا وجدت خطأ في المواصلات أو الشارع أكون وحدي أمام الظالم -مع كثير من الساكتين- و لا أجد في قطر مئات الأمتار من يساعدني في حين أن مواكب الرئيس أصبحت تستفز مشاعري من كثرة الجنود التي أتمنى واحدا منهم يجوب منطقة سكني لتوفير و لو قدر بسيط من الأمن.

القائمة تمتد كلما فكرت في أمور حياتي. و يوما بعد يوم, أفقد ارتباطي بهذا الرئيس الذي "عصرت على نفسي لمونة" (تعبير شعبي) -مثل كثير من المصريين- كملاذ أخير من الفاسد الآخر. و يوما بعد يوم, أفقد الرغبة في الإصلاح و النقد و النصح. فما فائدة إصلاح سيظل في دائرة العمل التطوعي المنزوع الصلاحيات أو الحماية؟ و ما فائدة النقد في مواجهة البلطجة؟ و ما فائدة العراك إن كنت لن أجد من يحميني من ترسانة الأسلحة أو يأخذ لي حقي؟ حتى الآن لا أجد شيئا يتحسن إلا نثريات لا تُذكر في الحياة العامة و ما يهمني كمواطن.

يبدو أن طائر النهضة لا يزال يعاني من عسر هضم و نحن لا نزال في مؤخرته.

سيدي الرئيس, يمكنك فعل الكثير من الأمور التي لا تتطلب أموالا طائلة, و في بعض الأحيان لا تتطلب أموالا على الإطلاق. و شكّي في نواياك و صلاحياتك يزاد يوما بعد يوم. صلاتك تفيدك وحدك, و عدلك يفيدنا جميعا. لن أقول " وا مرساه" .. و سأكتفي بالقوي و أقول "يا الله".
Powered by Blogger.