Wednesday, October 17, 2012

افتح سايبر

المشهد الأول: ورشة عمل عن التسويق

تم تقسيم الحاضرين لمجموعات و على كل مجموعة أن تحدد فكرة مشروع ثم تقوم بتطبيق عدة نقاط على هذا المشروع. في مجموعتي, اقترح أحدهم فكرة و قد كانت فكرة مضمونة الربح بشكل كبير. ملخصها كالآتي: مجمّع يشمل مقهى (كافيه) و صالة ألعاب رياضية (جيم) و مقهى إنترنت (نت كافيه).  و وافقنا على الفكرة و كانت من الأفكار التي تبدو قابلة ااتنفيذ على مراحل بين الأفكار المطروحة من الفرق.

المشهد الثاني: مترو الأنفاق

رجل يتحدث مع آخر عن فكرة مشروع ربحي, فيقوم زميله باقتراح: "افتح سايبر, و أنا معاك في المشروع" (سايبر = مقهى إنترنت). و نبرة الرجل كانت واثقة حين اقترح هذا المشروع, بل و عرض عليه المشاركة و ذكر له التكلفة التقريبية. فهي فكرة ناجحة و الإثبات موجود في كل شوارعنا.

من هذين المشهدين - و غيرهما في حياتي و تلفازي- تظهر الثقافة الربحية التي أصبحت منتشرة في كل مكان بشكل من أشكال التفاعل المتسلسل, حيث يحاول واحد و ينجح, فيقلده آخر و يتجح, ثم آخر ثم آخر. و في الطريق تظهر عدة أمثلة للفشل ليتعلم الجميع كيفية تفادي الغلطة القاتلة -طريقة تفنيد مستندات, رشاوى, منتجات غير مطلوبة, تأمين .. إلخ-. منذ سنوات وعيي و حتى الآن رأيت السلسلة و هي تخرج من حيّز المقاهي الشعبية و محلات الألعاب الإلكترونية (السيجا) لتنتشر و يتغير شكلها حسب تغيرات المجتمع -و التقليد بين المحلات- إلى مقاهي لعرض المباريات و قنوات الأغاني و "كافيهات" حديثة تعرض الأغاني و المشروبات الغربية و يتحدث عمالها بالانجليزية, و مقاهي للإنترنت و الـ"بلايستيشن" , و محال لبيع الموبايل و اكسسواراته.

و ها أنا اليوم أنظر من حولي لأرى ثقافة استهلاكية -و هدمية أيضا- لا تحرّكنا قيد أنملة للأمام. ففكرة المشروع لا تعني أي فكرة أو هدف إلا المال, و المال فقط. فبالإضافة لأن الكثيرين لا يريدون في الحياة إلا لقمة العيش و لا يجدون الوقت للبحث عن إنسانيتهم أو دينهم -أو أي شيء متجاوز للأحشاء-, لم تكن يوما -على الأقل في سنوات حياتي- المغامرة ضمن الحسابات, و لذلك أصبح التقليد هو الشيء الأضمن بدلا من التجريب. أو كما قال "الشفيق فريق": سكان الوديان سهلي المعشر و الانقياد (هل أنا حقا أقتبس عنه جملة مفيدة؟!). 

ما المشكلة في ذلك؟ دعوني أضرب مثالا أولا: في بعض الإحصائيات يظهر النمو للمحتوى العربي على الإنترنت مطردا بشكل جنوني. فما هو المحتوى في الحقيقة؟ كان هو المنتديات العربية التي لا تضيف الكثير من الفائدة مقارنة بالأكوام من الإشاعات و المواضيع الدينية المكذوبة و روابط التحميل لملفات مسروقة. كذلك السوق الأن, مئات من "المشاريع" التي -و إن كانت تدر دخلا لأسر- لا تضيف شيئا لمجتمعها أو دينها أو حتى لنفسها, بل على العكس, مع ازدياد أعدادها تصبح ذات تأثير سلبي على المجتمع بجوانبه المختلفة.

قليلون من يحاولون. منهم من ينجح , فيقلّده آخرون إن استطاعوا سواء بهدف أو بدون. و منهم من يفشل, فيحتاط الآخرون من نوعية المشاريع هذه. و في وسط هذا الهراء ما العمل؟ لا أرى إلا التحالفات و المساعدات. فمن سيجازف بكل ما يملك من أجل "فكرة"؟ و من سيستطيع دعوة الناس بمفرده لسلعة لا يحبونا دون حتى أن يجربونها, ولا يتجرؤون إلا عندما يجدونها تنتشر؟ المشاريع كغيرها من الأفكار و الجماعات, لا تنتشر بأفراد إلا في حالات نادرة من التوفيق أو التعب الشديد, و لابد لها من دعم مادي و معنوي. ما أتحدث عنه هنا ليس أمرا هيّنا, فهي ثقافة مجتمع بطبقاته من الأشد فقرا إلى الأشد غنى. و هنا سؤال جديد: هي تتغير الثقافة قبل أن تتغير الأفراد؟ و هل يتغير الأفراد بدون محاولات فردية؟

يبدو أن الأمر في النهاية بيد الأفراد لا الجماعات -كالعادة- لحين ازدياد أعدادهم ما بين عامل و مؤيد لتبدأ الصخرة في التدحرج.

Tuesday, October 9, 2012

الشيخ أبو حمالات إبراهيم بن عيسى الفاصل

منذ عدة سنوات -عندما كنت طالبا في كلية الهندسة- كنت أحضر محاضرة لأحد مهندسي البرمجيات و قد تطرق لأسلوب عمله مع شريكه الذي هو في نفس الوقت صديقه. كان يتحدث عن أنه عندما يدخل لغرفة الاجتماعات مع شريكه فإنهما يتركان صداقتهما و كرامتهما .. إلخ على الباب و يدخلون لمناقشات العمل و مشكلاته و عصبياته. و عند خروجهما يلتقطان ما تركاه على الباب, و لا مانع من أن يذهبا سويا لتناول الطعام أو المشروبات. كان هذا مثالا جيدا للفصل بين العمل و الحياة الخاصة و عدم تأثير خلافات العمل على الصداقة.

و منذ سنوات و حتى الآن أجد الكثيرين الذين ينادون بفصل الدين عن السياسة, ولا دخل لتعاليم هذا الإله بأمور الحياة العامة, فلا أحد يحتكر الإله (!). و من هؤلاء الفقهاء الجدد الشيخ: أبو حمالات إبراهيم بن عيسى الفاصل. "إبراهيم بن عيسى" هو اسمه, و "أبو حمالات" هي كنيته, و "الفاصل" هي صفته التي تناسبه. فقد أظهر -كغيره- ما في جعبته من معاداة للآخر بمجرد أن يخالف رأيه أو اتجاهاته في أمر هام.  و حتى هذه اللحظة لا أفهم كيف يضع الإنسان لنفسه مجموعة من الأخلاق و المبادئ لحياته الشخصية و مجموعة أخرى لحياته العامة. فإن كان الفصل ممكنا في الخلافات بين شركاء التجارة أو الدراسة, فهي لا تزاال تقع تحت مظلة تعدد الآراء دون تدخّل في المبادئ, فالأمر لا يتعلّق بأخلاق أو عقائد ولكنه مجرد خلاف في استراتيجيات أو نظريات. و لكن غير المعتاد هو أن ينتمى شخص لدين او جماعة لها مجموعة من المبادئ و الممارسات التي يفترض بها أن تطبّق في حياته حتى آخر نفس في صدره, ثم يتركها في بيته و ينزل للشارع بمبادئ و ممارسات جديدة تخالف ما تركه بالمنزل! و ها هو الفقيه يضرب من جديد في ذكرى حرب أكتوبر عندما يتحدث عن الفصل بين بطولات الفريق مبارك في الماضي و جرائمه في الحاضر, و كأن الماضي ينتمي لشخص و الحاضر لشخص, و كذلك حسابه!


في ذكرى وفاة الدكتور المفكر المناضل (ولا مانع من ذكر اليساري) عبد الوهاب المسيري رحمه الله, فأنا أذكر نقطة مهمة تعجبني في أفكاره و دراساته. فهو رغم اهتمامه بالتفاصيل و الأصول في كل جانب في دراساته, إلا أنه لا ينسى أن يجمّع ما يملك مرة أخرى ليلقى نظرة شمولية على موقف أو جماعة ما. فقد كان له رأي في أن الإنسان هو كائن مركّب متعدد الأبعاد لا يمكن الحكم عليه بجانب واحد في حياته أو شخصيته. و هو ما ينكره الكثيرون الآن من باب: دع ما لقيصر لقيصر و ما لله لله, و كأن الله و قيصر شريكان في الحكم أو ملوك لدولتين مختلفتين (!).

جانب آخر من الفصل الذي وجدته انتشر منذ حوالي السنة, هو الأعمال الخيرية للأم أنجيلينا. حيت تتعالى الهتافات بجمال و عظمة و تواضع الفنانة القديرة. و كيف أنها مثال للإنسانية و الأخلاق الحميدة. و حين يخرج صوت للقول بأن أخلاقها ليست بهذا الجمال و أن الأخلاق هي حزمة كاملة تؤخذ بأعمالها الخيرية و الفنية و حياتها الخاصة, تخرج في المقابل أصوات عديدة باتهامات من نوعية: إحنا لاقيين غيرها بنشاط خيري؟, إحنا مالنا إحنا لينا بتبرعاتها, شغلها حاجة و تبرعاتها حاجة... إلخ. و بالرغم من أن هذا الكلام ق يكون صحيحا كنوع من تقبّل الخيار المتاح لحين وجود بديل, إلا أن ما يحدث -كالعادة- هو تنازل مؤقت ثم تركيز ثم مبالغة ثم يصبح الأمر هو المعتاد, تماما مثل التفريط في إنسانية الفقير الذي أصبح هو المعتاد, و استخدام القوة لأخذ الحقوق و النجاة في حياتنا, أو حتى القيادة التي أصبحت حربا مرورية.

و تبقى نقطة, ما هو السبب الرئيسي المؤثر في طريقة التفكير الفصلية (التفكيكية) هذه؟ أم هي عدة أسباب مجتمعة؟ هل السبب تأثر الضعيف بالقوي؟ عدم إيمان الإنسان بما لديه لأنه لم يعطه ما يريد؟ هل هو التعوّد و الانشغال بمشكلات الحياة اليومية دون أن يجد الإنسان فرصة للتفكير في صورة أبعد من رغيفه؟

دون إيجاد رأس المشكلة فلا فائدة من الصيحات المتكررة التي لا يسمعها أحد -بل يتخذ البعض منها موقفا دفاعيا بدافع الطبيعة الإنسانية من كل ما هو مخالف للمتعود عليه-. و هذا يقودنا للمشكلة المعتادة, من يسيطر على الإعلام هو من يملك اليد الغالبة, و من يملك المال و الرغيف هو من يتوقف الناس ليسمعوه. لذلك فحتى يصل من بملك الفكرة لمواضع القوة التي تسهّل عمله, لابد من توزيع المهام بين كلام و عمل. فالكلام وحده لا يفيد, و العمل وحده لا يجلب الدعم الكافي. و لكن يبدو أن للمنابر إغراء لا يقاوَم. فينصرف كلٌ إلى قناته أو جريدته يكلّم أتباعه, و من يستطع أن يصل بوسيلة -في الغالب ملتوية أو على الأقل بها تنازلات بحكم القانون الصراعي (الدارويني) الحالي- لنقاط القوة هو من يستطع التأثير و فرض قوانينه. لذلك فمن يريد أن يثبت على مبدأه و لا يفرّط من أجل الوصول أن يعمل و يعمل مع وضع وقت للكلام, فهو يحتاج لمجهود إضافي لتجنّب التنازلات. فهل من عامل؟

Friday, September 14, 2012

ما بين الجميلة و الموزّة

مصطلحات عدّة تستخدم لوصف الأنثى, ما بين "قمر" و "عسل" و "فرس" و "وتكة"  ... و "موزّة". و كأي كلمات متشابهة في أي قاموس و معجم, فالكلمات في "المعجم اللذيذ" تحمل اختلافات رغم تشابهها - على الأقل - عند الشباب "الأوّلي" الذي يشبه الإنسان في الشكل الخارجي و "الأميبا" من الداخل. و دون حاجة لتوضيح السبب, فكل كلمة تستخدم تحمل أفكارا و مرجعيات في طياتها, و يمكن بمراقبة عدة كلمات و حركات تصنيف الإنسان في المجموعة التي تناسبه.

و من بين الكلمات, اخترت كلمتين تحملان فرقا كبيرا رغم بساطة استخدامهما. و رغم وجود كلمات أكثر اختلافا و تطرفا, إلا أن هاتين الكلمتين يمكن الكلام عنهما و وصفهما بشكل أقل حرج: "جميلة" و "موزّة".

هاتين الكلمتين يمكن التفريق بينهما بسهولة نظرا للفرق الكبير بينهما. و كأمثلة للفرق بينهما يمكن القول:
- الجميلة هي التي لا يمكن تحديد صفات محددة لها, و "الموزّة" هي التي لها صفات محددة ولابد أن يكون لها "شكلا".
- إذا سألت عن صفات الجميلة قد تجد صفاتاً مختلفة من هذا و هذه, أما "الموزّة" فصفاتها تتقاطع بطريقة أو أخرى.
- الجميلة هي الأكل اليومي الذي تعيش به للأبد ولا يؤذيك. و الموزّة هي الأكل الحار الذي قد تهفو إيه و لكنك تتركه سريعا لكي تكمل حياتك. (كتفكير ذكوري)
كلمات أخرى يمكن وضعها على الخط الذي يمرّ بالكلمتين السابقتين, ففي المنتصف قد تكون كلمة مثل "قمر", و في الطرف الآخر البعيد قد تكون كلمة مثل "فرس".

ما الهدف من هذا الشرح؟ ربما تدريب للعقل.

Sunday, July 15, 2012

قاموس الشركات الرأسمالية في مصر

كنت قاعد بفكر في المصطلحات بتاعت الشركات اليومين دول, لقيت انها تثبيت بشكل ستايلش. مجرد استهلاك لمصطلحات موجودة و جعلها واجهة للأسلوب السادي في التعامل, و يبدو من الكلام مع ناس كتير ان دا أصبع العادي في أغلب الشركات المصرية هذه الأيام. المصطلحات دي بتحفظ الصورة الاجتماعية  و تخبي البلاوي اللي بتحصل ورا الصورة دي.
و دا تفسير لشوية مصطلحات بتتكرر لحد ما أصبحت بدون معنى:

Ownership 
يعني سيبك من القانون, انتا هاتبات هنا لحد ما الشغل يخلص و يعجبني

Self-learner 
يعني مالكش تدريب عندنا ولا مساعدة, عندك وصلة النت و مع نفسك, اتشقلب و خللص

Cross-functional
يعني هاتعمل كل حاجة عشان لقمة العيش, لو حتى هاتشتغل مسند كرسي 

Presentation skills 
يعني عايزينك صايع تقرطس زبون لو اتزنقنا و احتجنالك, مع إنك شغلك مافيهوش تعامل مع زباين

Passionate 
يعني هاتشوف القرف و لازم تلاقي طريقة تصبّرك

Work in small teams 
هاتعمل نومة العازب و ماحدش هايوريك وشه, تعامل مع نفسك

Something is a plus 
يعني قدّم السبت (أحسنلك تكون عارفها) عشان ماتتزنقش قدام في البتاعة دي و تقلل أيام السهر

Agile environment 
يعني الجود بالموجود و مشّي نفسك بالمعلومات اللي اديتهالك و خللص في يومين


و بكدا لو حاولت تترجم أي جملة "شيك" بتسمعها فممكن تلاقي قدامك فجأة مقاول أنفار ببدلة و أيباد ... إنها سخرة القرن الحادي و العشرين يا سادة. ربنا يرحمنا و يجنبنا شرور المقاولين و السماسرة.

Saturday, June 9, 2012

البحث عن دين: 3- المقارنة و الاستنتاج و الهدم



كنت في الماضي أسمع –ثم أردد- تمنيات الناس بأن يعاصروا الرسول و يجاهدوا معه. ثم رأيت السؤال بعد عدة سنوات: ماذا لو كان الاختبار أكبر من عزيمة البعض و قدراتهم؟ هل كنا سنصبح مع الكفار و نرجم أتباع النبي الكذاب (تنزّه عن هذا اللقب, الوصف فقط حسب الجانب)؟ أم سنصمت و نرى ماذا سيحدث (حزب الكنبة, أو ربما حزب الخيمة)؟ أم سنقترب لنرى بضاعته و نحكم عليها؟ هل عندها سنقدر على تقبّل سماع ما يهدم عقيدتنا (واء وثنية أو يهودية أو مسيحية موحدة أو مثلثة)؟

من هذه الأسئلة كانت طريقة رافقتني: حيثما تجد تناقضا أو اختلافا في الرواية, لابد من قرار. و هذه عدة أمثلة لشكل التنافضات أو الاختلافات التي مرت عليّ(ملحوظة: الكتب السماوية تحديدا هي من نفس الإله, لكني أحكم على الوضع الحالي للكتب التي ينشرها أتباعها):
1-    عند اختلاف تفاصيل الرواية (أو زيادة تفاصيل) في حدث خاص بالتاريخ, فهو و إن كان غير مؤثر على المستقبل, إلا أنه يؤثر في الحكم على مصداقية باقي المحتوى. مش قصة خطبة السيدة مريم ليوسف النجار في الإنجيل مع عدم ذكر ذلك في القرآن, أو تفاصيل وصف بداية الخلق في التوراة مع الوصف المقتضب في القرآن.
2-    عند وجود تفسير لإحدى المعجزات بطريقة علمية معقدة, مما يعني إما كذب الكتاب أو ضلال العلم. مثل التفسير العلمي للعقابات العشرة التي جاءت على مصر في عصر فرعون و المذكورة في التوراة و القرآن. أو التفسير العلمي لطوفان سيدنا نوح.
3-    عند وجود تناقض في التاريخ لا يحتمل روايتين مثل رواية زنا سيدنا لوط أو دياثة سيدنا إبراهيم (عليهم السلام) في التوراة مقابل الشكر في أخلاقهم في القرآن, أو قول سيدنا عيسى في الإنجيل أن من يأتون بعده أنبياء كذبة و قوله في القرآن أن من بعده نبي اسمه أحمد.

و مع اختلاف المواقف و تنوعها لابد من أن يكون أحد المصدرين على خطأ أو أن هناك تفاصيل مفقودة قد تغير شكل الرويات. أمثل لتنوّع الأحكام كما حدث في حالتي:
1-    بعض التفاصيل التي تكون زائدة في أحد النصوص ولا تهدم النصوص الأخرى. لماذا لا تؤمن بها إن كنت تتبع هذا الكتاب أو تتجنبها مع عدم الذم فيها طالما لم يوجد في كتابك ما ينفيها؟
2-    بعض التناقضات التي لابد من اختيار أحدها. حينئذ لا بد من الاختيار بعد البحث و معرفة السياق و التدقيق التاريخي في كل أمر يمكن البحث فيها مع سرد الروايات المختلفة و كأنه تحقيق في جريمة أو بحث علمي دقيق.
3-    بعض التناقضات التي تروي نفس الحدث و لكن من زاوية مختلفة مثل التفسير العلمي لبعض المعجزات. ما المانع في تصديق العلم إن كان مبنيا على دراسة محققة و مثبتة علميا و ليس نظريات واهية. فإن كانت هذه المعجزات أحداث كونية عرفها بعض الأنبياء قبل حدوثها فهل ذا ينفي قدرة من صنعها و علاقته بمن أبلغ بها؟

بعد هذه المقارنات و غيرها تأتي الفترة الأصعب و القرارات الأشد صعوبة. هل –بعدما استطعت تنوير عقلك و الحكم بموضوعية دون تحييد من مجتمعك أو خوفك- تستطيع أن تجاهل بما علمت و صدّقت؟ هنا يكون الاختبار التالي, فهذا أشبه بهدم بعض الأصنام التي قدسها البعض و تختلف في قدسيتها حسب حجم الاستنتاج. فأنا هنا أتكلم عن أمور تتدرّج من مجرد اختلافات في عقيدتك الحالية -التي لابد و أن تكون قد زادت معرفتك بها بعد البحث و النقد و المقارنات- إلى هدم لأسس كان الناس يعتبرونها من المسلمات بها و حتى الانتهاء بتغيير عقيدتك –و هو الاختبار الأعظم-.
مثال لبعض الأمور التي خرجت بها حتى الآن:
1-    مع قول الله بأنه جاعل في الأرض خليفة, و استخدام وصف الجنة لوصف الآخرة و وصف الحدائق على السواء, و وسوسة الشيطان لآدم و حواء في الجنة, فأنا مع الرأي بأن الجنة كانت في الأرض طالما لم يأت في كتابي و سنّة رسولي ما يخالف ذلك.
2-    حسمت أمري بأن الحجاب هو الحد المطلوب للاحتشام و هو أساس العقيدة, و النقاب كان موجودا كعادة اجتماعية لا تخالف الشرع  فلم يمنعها الرسول إلا في الحج. فالإسلام جاء ليصحح لا ليهدم. و كذلك تقصير الجلباب كتهذيب للباس هذا العصر و هذه المنطقة. فالعقيدة رسمت الآداب العامة ولم تحدد خطا بعينه من الأزياء.
3-    لا يجب أن ننتظر في مجتمعنا أن يعترف المسلم بإيمان المسيحي أو العكس. فكل له كتابه (على الأقل بصورته الحالية) التي تدعوه لتكفير الآخر. فالمسلم هو تابع للنبي الكذاب, و المسيحي كافر لأنه قال ان الله ثالث ثلاثة. لذلك لا سبيل للتعايش إلا بعد الاعتراف بالحقيقة والتوقف عن النفاق. حينها يمكن العيش كما كان يحدث قديما في منطقة احترمها الجميع كالقدس و لكل دينه.
4-    لم تكن الديمقراطية يوما أساسا للحكم في أي دين. و لكنها ظهرت لمحاربة أي مرجعية متجاوزة (سماوية لا يمكن حسابها بالأرقام). و لأن التاريخ يكتبه المنتصرون, و لأن القوي هو من يضع القوانين, أصبحت الديمقراطية هي الخيار الوحيد للحكم.

هذه أمثلة حاولت تنويعها. قد تكون بسيطة على قدر ما وصلت إليه. و لكن ما أعرفه أنها جاءت عن اقتناع. لذلك أسعد بها لأنها لم تأتني مع الولادة ولكني اكتسبتها مع الوقت و بتوفيق من الله الذي ازداد إحساسي و يقيني بوجوده. و قد تكون بداية لبحث أعمق أهدم أو أبني فيه أشياء أكبر.

و رغم كل ذلك, أعترف بضآلتي أمام ثبات و ثقة من رأيتهم أو حدّثتهم ممن قرروا تغيير دينهم عن اقتناع و بحث. (و يا الله! كانوا يتحولون للإسلام -تحديدا- في مجتمعات تعاديه)

Saturday, May 19, 2012

البحث عن دين: 2- من أين أبدأ



بعدما سردت الأسباب التي تجعل الرحلة ضرورية, وجدت المشكلة التي أجدها في أي مجال جديد أدخله: من أين أبدأ؟
هل أثق في رأي من حولي؟ هل أستمع للإعلام؟ هل أحضر دروسا؟ هل أكتفي بمن سبقني و أستمع لخلاصة شخص درس الأديان؟

و لأنني أصبحت لا أثق ببني آدم بشكل عام, و لأن الثقة تقل يوما بعد يوم مما أراه و أسمعه, وجدت أن الحرص مطلوب في معرفة خياراتي و فوائدها. و هذه هي الآراء التي وجدتها:

  • "اسأل أهل العلم و تعرف من خلالهم لماذا دينك عن غيره, و قوّ معرفتك بدينك": من هذا الرأي توجد فائدة, إيجاد مميزات الإسلام عن الأديان الأخرى و معرفة عيوبها. و منه كانت الآراء الأخرى في أن أقرأ و أستمع لمن يشكر في المسيحية و يهاجم الإسلام, أو موقع ملحد ينتقد الأديان. فمن سيجد ثغرات و عيوب الأديان أفضل من معارضها سواء كان له دين أو ملحد؟
  • الحوار: و حيث أن المجال في بلدي ليس مفتوحا للمناظرات, فقد وجد طريقين: الأول هو مشاهدة مناظرات على مستوى القمة, و وجدت أن المناظرات الشهيرة كانت لرجال مثل أحمد ديدات و ذاكر نايك و غيرهم و من يقابلهم من رجال الدين المسيحيين المعروفين بالمناظرات أو التبشير. و الطريق الثاني هو الحوار مع مواطنين مثلي يدينون بالمسيحية أو اليهودية, و هو الأمر الصعب لأمر غير معتاد في مجتمعنا فكان في أضيق الحدود مع زملاء لي في فترة الدراسة أو عبر الإنترنت في الشبكات الاجتماعية. ميزة الحوار – و بخاصة بين الأفراد العاديين- هي معرفة ما يقال عن ديني و عن دينهم و مدى عمق الدين في حياة عيّنات أفترض فيها أنها تعمل و تفكّر. ربما ليس ذلك بالمجال الجيد للعلم أو حتى لأخذ مؤشرات, و لكنه جيد لكسر الحاجز و معرفة مدى وصول ديني للأفراد و مدي وصول دينهم لي من الخلال الوسائل اليومية من إعلام و تجمعات دينية.
  • تعرّف على الدين لا على المتدينين: هذا هو الرد التقليد لأي شخص يجد من يهاجمون دينه كنتيجة لتصرف بعض المنتمين لذلك الدين بشكل خاطئ. و هذا هو طريق آخر: أن تقرأ كتب الدين بعيدا عن تصرّفات الأشخاص الذين ربما يعملون بالتعاليم كاملة أو حتى يتركونها كاملة. هذه هي العودة للأصول.

من هذه الطرق, ماذا كان الطريق الأمثل؟ جوابي كان: كلها. فكل طريق ليه ميزته التي لا توجد في الطرق الأخرى.


هناك أمر آخر لابد أ يوضع في الاعتبار أيا كانت الطريقة التي يختارها الإنسان: الالتزام بشروط و آداب المناقشة و البحث العلمي. و هذه هي الشروط التي رأيتها واجبة و وجدت أن كل جهدي سيكون إلى زوال و بلا فائدة إذا لم ألتزم بها:

  • التزام الحيادية في البحث و الحوار, فلا فائدة من "بحث" حقيقي إن كنت قد اتخذت قرارا مسبقا. فهذا سيسمى اطلاعا لا بحثا حقيقيا.
  • عدم وضع أي أمر محل مقارنة لحين فهمه بشكل كاف و معرفة تفسيره و الأمور المرتبطة به من توقيت و بيئة.
  • فتح العقل و القلب و عدم الخوف من الاقتناع بما تقرأ طالما أنك تبحث عن الحق و تثق في عقلك و قلبك و فطرتك. فكما لا يمكنك أن تقنع شخصا قد اتخذ منك موقفا دفاعيا, لا يمكنك أن ترى الحق طالما أنك أغلقت عقلك و قلبك من قبل أن تقرأ أو تسمع.
  • و أخيرا, أذكّر نفسي بأنني لو كنت في عصر الرسالة فهل كنت سأؤمن بالنبي المرسل؟ أم كنت سأغلق الباب على نفسي و أكتفي بالموت على دين آبائي و أجدادي؟ هل كنت سأستمع لهذا النبي المرسل (صادقا كان أو مدّعيا) أم كنت سأشارك الجماهير و رجال ديني أو كهنته في إهانته أو الصد عنه دون تفكير؟

تلك كانت الطريقة التي انطلقت منها و بها. و إن كان في العمر بقية, أكتب ما يفتح الله عليّ به بعد هذه المرحلة.

Saturday, May 5, 2012

البحث عن دين: 1- المقدمة


منذ عدة شهور تقترب من السنة, كنت في رحلة فكرية و روحية بين مناظرات دينية و كتب و دروس لكي أتأكد من اختياري الصحيح لديني و أنني لا أدافع عنه بحكم ولادتي فيه. و كانت غايتي أن أشارك بخلاصة ما مررت به و أعلن الشهادة بشكل رمزي كدليل عن اختياري للإسلام عن علم لا ولادة. و لكن كما يقال: كلما زاد علمي زاد جهلي, و طالت الرحلة بشكل مطّرد لم أتخيله عندما بدأت. لذلك فكرت في أن أرتّب أفكاري تحت عناوين محددة لتزداد الرؤية وضوحا. و لكي أفيد بما فكرت و أستفيد من المناقشات أو الملاحظات.

بدأت بوادر الرحلة منذ سنوات قليلة, عندما كنت أعطي ملاحظة هنا و ملاحظة هناك عن عادات يومية أو طقوس عبادة مثل: طريقة الجلوس الصحيحة في الصلاة, سبب الصلاة بعد أذان الجمعة و قبل الخطبة, إنسانية ذبح حيوان أو طائر, أصل منديل كتب الكتاب و سبب قول "على مذهب الإمام فلان" .. إلى آخر الملاحظات. و مع الوقت وجدت نفسي أبتعد عن الشاطئ إلى الأعماق, و لا أعرف إن كان بسبب حب العلم أم استجابة لدعوات بيني و بين ربي أم هي إرادة الله التي تسبق أي سبب من ناحيتي لحكمة لا أعلمها.

تمر الأيام و الشهور و أجد أن هذه الطريقة في النقد و الاطلاع ليست كافية, فما أدراني من الأساس أن ديني هو الدين القويم؟ و إن تمنيت أن أكون موجودا في عصر الرسالة -كما يدّعي الكثيرون- فهل كنت سأتحلى بالشجاعة للتعرف على الدين الجديد ثم الدخول فيه إن أقنعني و أترك دين آبائي (اليهودية أو المسيحية أو أي دين آخر)؟ فأنا أجد كثيرين يغضبون لدينهم و يدافعون عنه دون أن يتعرفوا على الأديان الأخرى. و حتى حين يتعرفون عليها فَهُم يأخذون الطريق الخاطئ. فلا يصح أن أعرف عن المسيحية من مسلم, ولا عن الماركسية من يهودي, و لا عن الإسلام من مسيحي. ذلك لأن قليلون هم من يسردون الحقائق أو الأفكار بحيادية دون أي إضافة أو تعليق. و كذلك لا يصح أن آخذ معلومة عن دين من مواقف عامة من أناس لا أعرف مدى التزامهم بدينهم.

و من هنا انطلقت لرحلة أكبر لم تنتهي حتى لحظة كتابتي هذه, بين تعرّف على جوانب الدين الإسلامي و الجماعات التي ظهرت منه (سنية\شيعية\صوفية\معتزلة...), و قراءة الكتب الأخرى (التوراة و الإنجيل) و دراسات فيها, و مقالات تهاجم الإسلام خاصة أو الدين عامة, و مناظرات .... لأجد أن قضية الدين هي قضية مستمرة. فكل دين قرأت عنه وجدت فيه ما لم أجده في أتباعه و كأن الأتباع أصبحوا ينفذون الأوامر و النواهي بشكل طبيعي يتأثر بالمجتمع و التاريخ و الأهواء الشخصية. فليس كل من يحمل لقب الإسلام ينفذ تعاليمه, ولا كل من يحمل لقب المسيحية ينفذ تعاليمها. و هنا زاد الأمر صعوبة. فعلى أي أساس يقيّم كل إنسان دينه أو دين الأخرين؟ و على أي أساس تهاجم وسائل الإعلام هذا الدين أو ذاك؟

لا أعرف إن كانت تلك الرحلة ستصل لشاطئ أم لا, و لكن ما أعرفه أن هذه الرحلة مثل رحلات كثيرة قرأت عنها في الروايات: ترجع منها بأحداث و أناس لم تكن لتعرفهم لو لم تركب السفينة بحثا عن الكنز المجهول. و ذلك ما أحاول أن أستزيد منه و أتحدث عنه بشكل منظم لنفسي و لغيري. لست بالعالِم لكي ألقي محاضرة, و لكنها ملاحظات من إنسان عادي يبحث عن حقيقة ما.

كانت تلك مقدمة منطقية و استهلال لابد منه لأحاول أن أدخل القارئ داخل عقلي ليرى دوافع رحلتي و ربما يفكر في رحلته الخاصة.


Powered by Blogger.